محمد بن جرير الطبري

318

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

" وإنما " : حرف واحدٌ ، ولذلك نصبت " الميتة والدم " ، وغير جائز في " الميتة " إذا جعلت " إنما " حرفًا واحدًا - إلا النصب . ولو كانت " إنما " حرفين ، وكانت منفصلة من " إنّ " ، لكانت " الميتة " مرفوعة وما بعدها . وكان تأويل الكلام حينئذ : إنّ الذي حرم الله عليكم من المطاعم الميتةُ والدمُ ولحمُ الخنزير ، لا غير ذلك . ( 1 ) وقد ذُكر عن بعض القراء أنه قرأ ذلك كذلك ، على هذا التأويل . ولست للقراءة به مستجيزًا = وإن كان له في التأويل والعربية وَجه مفهومٌ - لاتفاق الحجة من القراء على خلافه . فغيرُ جائز لأحد الاعتراض عليهم فيما نقلوه مجمعين عليه . * * * ولو قرئ في " حرّم " بضم الحاء من " حرّم " ، لكان في " الميتة " وجهان من الرفع . أحدهما : من أن الفاعل غير مسمى ، " وإنما " حرفٌ واحد . والآخر : " إن " و " ما " في معنى حرفين ، و " حرِّم " من صلة " ما " ، " والميتة " خبر " الذي " مرفوع على الخبر . ولست ، وإن كان لذلك أيضًا وجه ، مستجيزًا للقراءة به ، لما ذكرت . * * * وأما " الميتة " ، فإن القرأةَ مختلفة في قراءتها . فقرأها بعضهم بالتخفيف ، ومعناه فيها التشديد ، ولكنه يُخففها كما يخفف القائلون في : " هو هيّن ليّن " " الهيْن الليْن " ، ( 2 ) كما قال الشاعر : ( 3 ) لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ . . . إِنَّمَا المَيْتُ مَيِّتُ الأحْيَاءِ ( 4 )

--> ( 1 ) انظر تفصيل هذا في معاني القرآن للفراء 1 : 102 - 103 . ( 2 ) في المطبوعة : " القائلون وهو هين لين . . . " ، وكأن الصواب ما أثبت . ( 3 ) هو عدي بن الرعلاء الغساني ، والرعلاء أمه . ( 4 ) الأصمعيات : 5 ، ومعجم الشعراء : 252 ، وتهذيب الألفاظ : 448 ، واللسان ( موت ) وحماسة ابن الشجري : 51 ، والخزانة 4 : 187 ، وشرح شواهد المغني : 138 . من أبيات جيدة صادقة ، يقول بعده : إِنَّمَا المَيْتُ مَنْ يَعِيشُ ذَلِيلاً . . . كَاسِفًا بَالُهُ قَلِيلَ الرّجَاءِ فَأُنَاسٌ يُمَصَّصُونَ ثِمَادًا . . . وَأُنَاسٌ حُلُوقُهُمْ فِي المَاء الثماد الماء القليل يبقى في الحفر . وما أصدق ما قال هذا الأبي الحر .